ابو القاسم عبد الكريم القشيري
241
كتاب المعراج
رؤيا العرش ثم لم أزل أطير كذلك ، حتى انتهيت إلى بحر من نور تتلاطم أمواجه ، يظلم في جنبه ضياء الشّمس . فإذا على البحر سفن من نور ، يظلم في جنب نورها أنوار تلك الأبحر . فلم أزل أعبر بحارا بعد بحار ، حتى انتهيت إلى البحر الأعظم الذي عليه عرش الرّحمن . فلم أزل أسبح فيه ، حتى رأيت ما من العرش إلى الثّرى من الملائكة الكروبيّين ، وحملة العرش وغيرهم ممّن خلق اللّه سبحانه وتعالى في السّماوات والأرض ، أصغر من حيث طيران سرّي في القصد إليه ، من خردلة بين السّماء والأرض . ثم لم يزل يعرض عليّ من لطائف برّه وكمال قدرته وعظم مملكته ما كلّت الألسن عن نعته وصفته . ففي كل ذلك كنت أقول : يا عزيزي مرادي في غير ما تعرض عليّ . فلم ألتفت إليها إجلالا لحرمته . أقرب من الروح إلى الجسد فلمّا علم اللّه سبحانه وتعالى منّي صدق الإرادة في القصد إليه ، فنادى : إليّ إليّ ، وقال : يا صفيّي ادن منّي ، واشرف على مشرفات بهائي ، وميادين ضيائي ، واجلس على بساط قدسي حتى ترى لطائف صنعي في آنائي . أنت صفيي وحبيبي ، وخيرتي من خلقي . فكنت أذوب عند ذلك كما يذوب الرّصاص . ثم سقاني شربة من عين اللّطف بكأس الأنس . ثم صيّرني إلى حال لم أقدر على وصفه . ثم قرّبني منه ، وقرّبني ، حتى صرت أقرب منه من الروح إلى الجسد .